ابن خلدون

105

تاريخ ابن خلدون

له بذلك خلالا ويغريه بالكمال وكان عمه أبو عامر إبراهيم بن يغمراسن ثرى بما نال من جوائز الملوك في وفاداته وما أقطع له أبوه وأخوه سائر أيامهما ولما هلك سنة ست وتسعين أوصى أخاه عثمان بولده فضمهم إليه ووضع تراثهم بموضع ماله حتى يأنس منهم الرشد في أحوالهم حتى إذا كانت غزاة ابنه أبى سرحان هذه وعلا فيها ذكره وبعد صيته رأى السلطان أبو حمو أن يدفع إليه تراث أبيه لاستجماع حلاله فاحتمل إليه من المودع ونمى الخبر إلى ولده أبى تاشفين وباطنته السوء من العلوجين فحسبوه مال الدولة قد حمل إليه لبعد عهدهم بما وقع في تراث أبى عامر أبيه واتهموا السلطان بايثاره بولاية العهد دون ابنه فأغروا أبا تاشفين بالوثب على الامر وحملوه على الفتك بمشنويه مسعود بن أبي عامر واعتقال السلطان أبى حمو ليتم له الاستبداد وتحينوا لذلك قائلة الهاجرة عندما انصرف السلطان من مجلسه وقد اجتمع إليه ببعض حجر القصر خاصته من البطانة وفيهم مسعود بن أبي عامر والوزراء من بنى الملاح وكان بنو الملاح هؤلاء قد استخصهم السلطان بحجابته سائر أيامه وكان مسمى الحجابة عنده قهرمة الدار والنظر في الدخل والخرج وهم أهل بيت من قرطبة كانوا يحترفون فيها بسكة الدنانير والدراهم وربما دفعوا إلى النظر في ذلك ثقة بأماناتهم نزل أولهم بتلمسان مع جالية قرطبة فاحترفوا بحرفتهم الأولى وزادوا إليها الفلاحة وتحلوا بخدمة عثمان بن يغمراسن وابنه وكان لهم في دولة أبى حمو مزيد حظوة وعناية فولى على حجابته منهم لأول دولته محمد بن ميمون ابن الملاح ثم بنه محمد الأشقر من بعده ثم ابنه إبراهيم بن محمد من بعدهما واشترك معه من قرابته علي بن عبد الله بن الملاح فكانا يتوليان مهمه بداره ويحضران خلوته مع خاصته فحضروا يومئذ مع السلطان بعد انفضاض مجلسه كما قلناه ومعه من القرابة مسعود القتيل وحماموش بن عبد الملك بن حنيفة ومن الموالى معروف الكبير ابن أبي الفتوح بن عشر من ولد نصر بن علي أمير بنى يزيد بن توجين وكان السلطان قد استوزره ( فلما علم ) أبو تاشفين باجتماعهم هجم ببطانته عليهم وغلبوا الحاجب على بابه حتى ولجوه متسايلين بعد أن استمسكوا من اغلاقه حتى إذا توسطوا الدار اعتوروا السلطان بأسيافهم فقتلوه وحام أبو تاشفين عنها فلم يفرجوا عليه ولاذ أبو سرحان منهم ببعض زوايا الدار واستمكن من غلقها دونهم فكسروا الباب وقتلوه واستلحموا من كان هنالك من البطانة فلم يفلت الا الأقل وهلك الوزراء بنو الملاح واستبيحت منازلهم وطاف الهاتف بسكك المدينة بأن أبا سرحان غدر بالسلطان وابن ابنه أبا تاشفين ثأر منه فلم يخف على الناس الشأن وكان موسى بن علي الكردي قائد العساكر قد سمع الصيحة فركب إلى القصر فوجد مغلقا دونه